فخر الدين الرازي
242
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والمفاسد ، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم ، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع واللّه أعلم . المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون : واللّه خلقكم ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه وأضعفه . يقال : رذل الشيء يرذل رذالة وأرذله غيره ، ومنه قوله : إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] ومنه قوله : وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [ الشعراء : 111 ] وقوله : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر ؟ فيه قولان : القول الأول : أنه يتناوله ، قيل : إنه العمر الطويل ، وعلى هذا الوجه نقل عن علي عليه السلام أنه قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وقال قتادة : تسعون سنة . وقال السدي : إنه الخرف . والقول الأول أولى ، لأن الخرف معناه زوال العقل ، فقوله : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل عقله ، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية المطلوبة منه وأنه باطل . والقول الثاني : أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على اللّه تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر ، والدليل عليه قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ التين : 5 ، 6 ] فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين . وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قال ابن عباس : يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه قَدِيرٌ على ما يريد . المسألة الثالثة : هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار ، فهي أيضا تدل على صحة البعث والقيامة ، وذلك لأن الإنسان كان عدما محضا فأوجده اللّه ثم أعدمه مرة ثانية ، فدل هذا على أنه لما كان معدوما في المرة الأولى ، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزا ، فكذلك لما / صار موجودا ، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزا ، وأيضا كان ميتا حين كان نطفة ثم صار حيا ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا كان عود الموت جائزا ، فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة ، وجب أن يكون عود الحياة جائزا في المرة الثانية ، وأيضا الإنسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئا ، ثم صار عالما عاقلا فاهما ، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولية ، وهو عدم العقل والفهم ، فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر ، فكذلك العقل الذي حصل ، ثم زال وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية ، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 71 ] وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) [ في قوله تعالى وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ] اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان ، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا وفهما يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك ، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلا وفهما تنفتح عليه